القاضي عبد الجبار الهمذاني

319

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : قد بينا أن ما له يحسن يجب أن يعلم على جملة أو تفصيل حتى يعلم حسنه . فلذلك وجب أن يعلم النفع الّذي ذكرناه حتى يعلم حسنه . ومتى لم يعلم ذلك البتة لم يأمن في الضرر وجه القبح . وقد بينا أنه لا فرق بين أن يعلم ثبوت وجه القبح في الفعل وبين أن لا يؤمن ثبوت ذلك فيه في باب أنه يقبح منه في الحالين ، فكذلك القول فيما قدمناه . فإن قيل : كيف يحسن للنفع وقد يحصل فيه ولا يكون حسنا متى لم يعلمه وظن خلافه ؟ قيل له : قد بينا من قبل أن الحسن لا يحسن في الحقيقة لوجه يشار إليه حتى يصير فيه كالقبيح فيما له يقبح « 1 » . ولا شيء نقول لأجله إن الفعل يحسن إلا وقد يحصل . ولا يكون حسنا لثبوت وجه من وجوه القبح فيه . وإذا صح ذلك فالذي معه تنتفى وجوه القبح عن المضرة هو العلم بالنفع الّذي فيه وما يقوم مقامه دون نفس النفع لأن النفع متى حصل فيه ولم يعلمه ولا ظنه لم يؤمن كونه ظلما . وقد بينا أنه لا فرق بين أن يعلمه ظلما أو لا يأمن كونه كذلك في أنه يقبح منه الإقدام عليه . وإذا كان بوجوه النفع لا ينتفى وجه القبح ، وبعلمه بحصول النفع فيه ينتفى ذلك ، يجب أن يكون حسنه موقوفا على علمه دون حصول نفس النفع فيه . ولذلك فرقنا بين الأمرين ، وسقط بذلك قول من يقول إن العلم إذا كان يتعلق بالشيء على ما هو به فكيف يحسن منه الضرر إذا علم النفع فيه ، ولا يحسن منه ذلك إلا إذا حصل ولما يعلم . وكذلك الجواب عن الظن والمظنون في هذا الباب . وذلك لأنه قد يحسن منه تحمل الضرر إذا ظن فيه نفعا موفيا عليه وإن حصل المظنون ؛ وذلك لأنه قد يحسن منه الضرر إذا / [ كان ] « 2 » من دون الظن لم يحسن .

--> ( 1 ) أي حتى يكون له وجه يحسن لأجله كما للقبيح وجه يقبح لأجله . ( 2 ) ساقطة .